الخميس، 10 يناير، 2013

للكلام بقية ... الحلم والكابوس والتفرقة


                                                                       تحسين الزركاني
كنت أسمع في صغري كثير من الناس يتحدثون بعبارة (وطن واحد، وشعب واحد) دون أن أفهم معناها، ماذا يعني الوطن الواحد، فالمعلم كان يصف للتلاميذ أن صفهم الدراسي يشبه المدينة، والمدرسة هي الوطن الذي تنتمي له باقي الصفوف المدرسية، وحين سألت أبي يوما عن معنى الدرس، أجابني أن المدينة هي غرفتي وأخوتي يمثلون المدينة، والبيت يضم عدة غرف، يسكن بها الاشقاء والاخوة، وفي بعض الاحيان الاقارب أيضا، ليكون بذلك البيت هو الوطن، بقيت عدة سنوات غير مقتنع فالإجابتان مختلفتان من وجهة نظري، بين كلام المعلم ووصفه المدرسة بالوطن، وكلام والدي وتشبيهه البيت بالوطن.

وعندما كبرت وذهبت للدراسة في محافظة أخرى، في منتصف ثمانينات القرن الماضي، تعرفت خلالها على الكثير من الاصدقاء شباباً وبنات، لا أتذكر يوماً خلالها سأل أحدنا الآخر من اي مذهب أو أي طائفة أو قومية تنتمي، حتى أني عشقت خلال الدراسة واحدة من زميلاتي، وعشنا علاقة حب أكثر من عامين، لم أعرف أنها صابئية الديانة، إلا عندما ذهبت أمي واحدى جاراتنا لخطبتها، لكن أهلها رفضوا الامر، لعدة أسباب كانت المادية من بينها، وقسم الله لها ولي حياة أخرى، بعد ان انتقلت إلى محافظة أخرى لإكمال دراستي فيها.
وحين تخرجت من المعهد بعد احداث التسعينيات، وما دار فيها على العراقيين من ويلات الهدام وجلاوزته، أثر حرب الكفر التي قمعت ارادة الشعب في الخلاص من الدكتاتورية، خدمت إلزامية الجيش في الموصل لمدة تسعة أشهر، بعد أربعة سبقتها في الديوانية، ومن الموصل إلى الرمادي، حيث كنت أجد أسرتي في كل مكان منها، نصلي معا كل على طريقته وتعاليمه ومرجعيته، دون ان نخوض يوما ما أحاديث متطرفة، ولا اتذكر يوما سمعت احداً سبَّ الاخر او تعرض الى معتقده.
ومضت السنون وتسرحت من الجيش لأنتقل الى غربة في عدة دول عربية، منها الأردن وسورية ولبنان وتونس، هربا من الظلم وبحثا عن العمل، لم أصادف خلالها أحداً يمتعض مني حين أصلي في مساجد سنية بين المصلين، بل وجدت العناية من صاحب محل فلسطيني سني عملت معه أكثر من تسعة أشهر، وكل الاحترام والتقدير، بل ذهب معي في أكثر من مرة لزيارة سيدنا جعفر الطيار شرقي مدينة الكرك الاردنية ليالي الجمع.
ومن المؤسف أن امرّ اليوم على هذه الذكريات بألم حين أقارنها بالأوضاع الراهنة، التي تسبب بها القادمون من وراء الحدود سواء كانوا في الحكومة، أو انتشروا بين المدن، كل يروض وفق ما جاء به من أجندة الدول، التي مولته لإظهار الفتنة في بلد عاش منذ آلاف السنين بوفاق وتلاحم ومودة وأخوة، حتى عام 1990 حيث بدء الهدام بالترويج لأفكار، قادها خادمه اللعين عزت الدوري، الذي تبجح بالأمس في تعذيب الشيعة، ويريد عقاب من ينعتهم بالقادمين من إيران أو الصفوين وغيرها من العبارات، التي استهجنها على الصعيد الشخصي مئات الاصدقاء من السنة والشيعة والمسيح والصابئة، على مواقع التواصل الاجتماعي.
واليوم يعلم جميع أصدقائي وزملائي في المهنة وغيرها، أن علاقات وطيدة تربط عدد منا بأخوة أكراد وتركمان، من السنة والشيعة والمسيحين والصابئة وباقي الديانات الأخرى، من محافظات الشمال والوسط والجنوب، يفتقد أحدنا الاخر ان غاب عنه أكثر من أسبوع، يعتصرنا اليوم ذات الالم، فلا يوجد واحد منا يتعامل بلغة تفرقة أجادها السياسيون، ليس حبا بالشعب أو نية بناء البلد، بل من أجل كسب تعاطف وأصوات المتخندقين، في الانتخابات المحلية المقبلة.
ولهذا أقول لمن يريد ان يصطاد في الطائفية، خاب وسيخيب سعيكم يامن تريدون الخراب للعراق، الشامخ بحضارته وماضيه وحاضره ومستقبله، ولن يسود غيرنا يا غربان الشر الناعقة بالفتنة، التي لن تكون، فنحن أخوة وفي عشائرنا نحمل ذات اللقب سني وشيعي من حمولة واحدة، عودوا الى أسيادكم خاسئين وابلغوهم أن العراق عائد بوحدته، ليفضح عمالتكم وإلى ما تخططون مع غربانكم السوداء، ولنا معكم في كل زمان ومكان موقفا، ولن ننتهي فحلمنا كابوس لكم ولن نفترق ... وللكلام بقية...