السبت، 5 يناير، 2013

للكلام بقية ... الصحافة والتدوين والأزمة الراهنة

                                                                      تحسين الزركاني
الخير والشر معادلة أزلية، وجدت منذ أن خلق الله سبحانه آدم عليه السلام وعرضه على الملائكة، وطلب منهم السجود له، ففعلوا إلا إبليس أبى واستكبر فكان من العاصين، تلك اللحظة كانت إعلان ولادة الخير والشر، وبداية الصراع الأزلي بينهما، والذي اشتد بعد نزولهما إلى الارض ليكون بعضهم لبعض عدوا، ورهان إبليس على أن يملأ النار من بني البشر بغوايته لهم، وتحريضهم على الشر وارتكاب المعاصي والآثام إلا المتقين، فقابيل وهابيل والغرابان، وقتال الانبياء على مر العصور، وصراع الامم والاقتتال، امتداد للحظة السجود والعصيان.

واليوم نقف على عتبة أخرى، صراع جديد بين خير مغيب وشر ظاهر، في داخل كل واحد منا، كلاهما ينتظران لحظة الاعلان، إما أن تكون خيراً تسعى الى عمل الخير، وتنال مرضاة الخالق سبحانه وتفوز بالرهان، أو تذهب مع الشر وان طال الوقت إلى جهنم وبئس المهاد وتكون من الخاسرين، فالفتنة التي تعصف بالبلاد وتهدد مصير العباد، تترقب على شفا حفرة من النار، أما أن تجرنا إلى نار تحرق الجميع، أو تكون بداية لبناء مستقبل العراق، وتجاوز صراع الساسة على دفة الحكم، وجرهم الناس الى فتنة يكون الخاسر الوحيد فيها هو الشعب البريء مسلوب الارادة، الذي أسهم من حيث لا يشعر، في أن يكون وقوداً الشر وعامل من عوامل تفوقه على الخير في زمن (اختلط فيه الحابل بالنابل) كما يقال بالأمثال.
ونحن اليوم على وشك العودة إلى المربع الاول، بسبب تصرفات بعض الساسة الاغبياء ممن يحرض على العنف والاقتتال الطائفي، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية، لاختيار ممثلي مجالس المحافظات، لتهيئة القاعدة الى الانتخابات النيابية للدورة المقبلة، وظهور قادة الشر الذين فضلوا مصالحهم الشخصية واجندات احزابهم او الدول التي يأتمرون لها، على حساب المواطنين، حتى وأن كان الثمن سيلاً من دماء العراقيين الشريفة، نقف أمام مفترق طريق كصحافيين أو مدوّنين أو ناشطي مجتمع افتراضي وواقعي، لصد هذه الفتنة التي لو اشتعلت نيرانها لا سامح الله لن تستثني أحداً وسيكون الجميع وقوداً لها.
علينا اليوم أن ندعم المبادئ والاخلاقيات المهنية والعمل بحيادية، دون الميل إلى هذا الطرف أو ذاك، ولنبتعد عن انتماءاتنا القومية او العرقية او المذهبية والحزبية، وأن تكون عيوننا منصبة نحو العراق، والمشتركات الوطنية، وأن لا نكون كبعض ساستنا، جنودا وأسلحةً بيد الشيطان، نقتل فيها بعضنا البعض، ولنعمل على كشف الحقائق كما هي، فالعراق يستحق منا بتأريخه وحاضره ومستقبله أن نكون له أوفياء، لنؤمّن الحياة الكريمة لينعم أبنائنا بما حرمنا منه وآبائنا طيلة العقود والقرون الماضية.
وقد يكون عمل المدونون والصحافيون، وهم يقفون الآن على عتبة الازمة الراهنة أكثر أهمية في الايام المقبلة، فالصحافي تحكمه مبادئ وميثاق شرف ومهنة، قد تلزمه إلى حد ما بالاعتدال، بينما المدون ليس عليه من رقيب سوى الله ونفسه وما تأمر له وتسول، في أن يكون جنديا للخير مدافعا عن الوطن ووحدة الارض والشعب، أو أن يكون خادما مطيعا يجر كما تجر الدواب إلى راعيها وسيدها الشيطان، ويعمل على التحريض وتأجيج الفتنة النائمة، ويكون واحداً من أسباب الدمار، لا يختلف عن الساسة الذين عمدوا للعزف على وتر يؤلف أغنية الموت وتمزيق وحدة البلد وأرضه ويزهق أرواح شعبه.
حان الوقت الآن لنحمي بعضنا من مكر الماكرين، وسيكون الله ناصرنا على الجبارين، فعراقنا يستحق منا الدفاع عن كل شبر وروح فيه، ولم ننتهي بعد فلا زال ...للكلام بقية...