السبت، 19 يناير، 2013

للكلام بقية ... صناعة الطغاة وعبادة البشر



                                                                       تحسين الزركاني
أظهرت الأيام الأخيرة التي يشهدها العراق، التخبط الواضح في إدارة الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخدمية للبلد، من قبل المتنفذين في إدارة الدولة العراقية بجميع مفاصلها، فالفضائح أخذت تتوالى واحدة تلو الأخرى، وقد لا يفصل بين كل منها سوى سويعات قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فتصريح مسؤول يقابله نفي آخر، مع وضد دوامة أخوت رؤوس البسطاء، وامتدت لتؤثر على حياتهم اليومية البسيطة، التي تفتقر إلى أبسط المقومات.
والمثير للسخرية أننا بدأنا ننساق دون وعي لترّهات الساسة وتصريحاتهم النارية، على الرغم من اختلاط كثير من الأمور على أبناء الشعب.

وما تمر به مدن العراق من تظاهرات مؤيدة وأخرى معارضة قد تكون حالة إيجابية في ظاهر الامر، لكن السلبية بدأت تنساب لتؤثر على أغلبنا دون شعور أو وعي، لحقيقة نوايا من يقفون خلف الأحداث التي يشهدها العراق، وما لفت انتباهي أن بعض المتظاهرين رفعوا صورا كتبت عليها لافتات تؤكد بشكل قاطع اننا من يصنع الطغاة ويعشق العبودية.
قد يحق لكل شخص منا أن يرى في قائده أو مسؤوله المثل الأعلى ليقتدي بما هو جيد منه، ان لمس منه صدق أو نزاهة أو التزام أو وفاء بوعد أو عدالة بين الناس، وأسال من رفع خلال التظاهرات، صورا لساسة لم ينطقوا بالصدق يوما مذ ابتلى الله العراقيين بهم، ولم يتعاملوا بنزاهة ولم يفوا بأي من وعودهم وعهودهم ومواثيقهم، على الرغم من ألزامهم لأنفسهم بها، على مدار السنوات العشرة الماضية، ولم تتحقق العدالة في مجتمع أنعم الله عليه بالثروات والخيرات ليحرم الشعب منها، وتذهب إلى الاحزاب والكتل والمتصارعين والمتنازعين والمدعّين بحب الشعب الى ما وراء الحدود.
وأضيف سؤالاً آخراً لعلي أحصل له على جواب على من خط فوق قلبه أو على جبينه ومنح الالقاب، لهذا مختار العصر وذاك منقذ الامة ولآخر المظلوم وغيرها من شعارات، لا تختلف كثيرا سوى في بعض الحركات عما كانت تطلق الابواق على الهدام المخلوع، من أغان وهتافات وشعارات وصور، والمشكلة تكمن في خياران أحلاهما أشد مرارة من الزقوم، ان تكون تلك التصرفات بتوجيه من الحاكم المعبود فيضيع حسن الصفات، وان كانت بغير علمه، إذا نحن من يخلق الطغاة، والكارثة في الامر ان جميع الاطراف تطبل على وحدة البلاد والعباد ونبذ الطائفية والمذهبية، وبذات الوقت يؤجج الجميع، كل على قومه وملته ان قاتليكم من هذه الفئة أو تلك قادمون ليثأروا، من يقتل من ومن يخطف من؟ العلم عند الله والراسخون في العلم.
وأقبل جدلا بصناعتنا للطغاة، بل أثبتت التجارب وما مر به العراق أن بعضنا هم المتميزون بلا منازع أو منافس في ذلك، لكن ان نحول الطغاة إلى أرباب، نتقرب بهم إلى الله زلفا كما كان يفعل الجاهليون، توجب علينا الوقوف طويلا، والنظر بإمعان إلى ما تخفي نفوسنا على الأقل في خلواتنا، أن تحب شخصا وترى أنه المثل الاعلى لك هذا شأنك، لكن أن تجبر الآخرين وتصور لهم بأن من تعبد هو الحق المبين، القوي الأمين الذي ليس كمثله بين البشر بل هو الاقرب الى صفات الآلهة، وتقاتل دونه قتال المستميتين في الدفاع عن دينهم ومعتقداتهم، ذلك أمر مستهجن، كفانا ضحكا على أنفسنا، وكفانا تمجيدا بمن وضعناهم، ليكونوا خدما للعراق وشعبه، وكفانا تمجيداً بمن لا يستحق ان يذكر، وكفانا نمنح القابا ما انزل الله بها من سلطان، لنحيا بعزة وكرامة، وننام قريري الأعين، ولا نريد من بعض من ارتضى صناعة الطغاة ان يعم بشرّه على الناس ليصنع لهم إلاها من البشر، فلنا الله وحده لا شريك له به نستعين على ما تصنعون وبمن تمجدون، وحبنا للوطن وليس لمن يسيء اليه، وارواحنا فداء لك ياعــــــــراق، ولم ننتهي بعد فما يزال ...للكلام بقية...