الأحد، 16 نوفمبر، 2014

عودة أول مدفع انكليزي استولى عليه ثوار "العشرين" الى الديوانية وسط مطالبات بالاهتمام بتراث المحافظة وآثارها


Created with Story Maker
أولى النساء ان لم تكن الوحيدة، التي تزغرد فرحا وتنثر الحلوى (الواهلية)، اثناء ترديدها اهزوجة رفعها ثوار العشرين (الطوب أحسن لو مكواري)، حين سيطروا على أول مدفع انكليزي في معركة أبو صخير، وأغرقوا به سفينة (باير بلاي)، أكبر السفن الحربية البريطانية في نهر الفرات، لينتقل معهم في جميع معاركهم ضد الانكليز آنذاك.

وتقول أم سعد في حديث الى (المدى برس)، إن "فرحة عارمة تملكتني لحظة مشاهدتي المدفع الذي كان شاهداً لمدينة الديوانية قبل تغيير النظام عام 2003، فركضت من غير وعي لأشتري الحناء لصبغه بها، كما اشتريت الحلويات لنثرها فوقه، فالغائب قد عاد الى أرضه بعد طول فراق".
وتوضح المواطنة أن "للمدفع ذكريات مع أغلب بيوت أبناء الديوانية، فكان التقليد يقضي على كل امرأة تنجب، أن تذهب بولدها الى المدفع وتطوف به حوله، ليكون شجاعاً وفارساً"، وتشير الى أنني "استأجرت سيارة وطلبت من سائقها سؤال رجال المرور عن السيارة التي تحمل المدفع وأي مكان قصدت، فعلمنا أنهم يقصدون مبنى الذاكرة الموسوعية بجوار المحافظة".
وتتابع أم سعد "كنت أتصور اني اولى الواصلين والمحتفلين بالمدفع، لكن المفاجأة كانت حاضرة مع أول لحظة وصلت فيها المكان، اذ سمعت زغاريد النساء داخل المبنى، وحين دخلت رأيت الكاتبة والأديبة والشاعرة الدكتورة ناهضة ستار، تزغرد وتنثر الحلوى فرحاً بعودة مدفع الديوانية".
وفي حديقة الذاكرة الموسوعية اجتمع الناس حول المدفع فرحين، وكأنه مسافر عزيز عاد الى الوطن، لكن الابتسامة الأكبر ودمعة الفرح الأبرز كانت تملأ عيون الكاتبة والاديبة الشاعرة الدكتورة ناهضة ستار.
وتقول ستار في حديث الى (المدى برس)، إن "سبب فرحتي هي استعادة أثر مهم من آثار الديوانية، له في ذاكرة أهلها الكثير من المعاني الجميلة، ما زلت أتذكر مكانه حين كان يزين مدخل قيادة الفرقة الاولى (الموقع)، مع نصب الجندي المجهول في مركز المدينة".
وتضيف الشاعرة أن "الانسان ينظر الى تراثه واثاره لقيمتها المعنوية وليست المادية، لما تحمله من تاريخ، والمدفع يجسد لنا حقبة تمثل نحو مئة وعشرين عاماً، وشارك في العديد من المعارك التي انتصر بها ثوار "العشرين"، وما تلى خروج الاحتلال البريطاني، وللأسف أن  الدول تتفاخر بما لديها ولو كان بعمر السنتين، وتهتم به وتجعل له قيمة مضافة في نظر الوافدين اليها، لكننا نطمر ما لدينا بأيدينا ونسهم في خرابه وضياعه".
وتبيّن ستار أن "عجائزنا وامهاتنا كانت وما زالت تتبارك بالحديد، لتصورهن بأنه يبعد الأرواح الشريرة عن المواليد الصغار"، وتدعو "الوزارات والجهات المعنية بالأثار والتراث الى الاهتمام بالمقتنيات العراقية والحفاظ عليها، والعمل على انشاء متاحف كباقي الدول للاستفادة من قطاع السياحة وتنشيطه ليسهم في تنمية موارد البلد".
ويحمل المواطن عباس عبد الجليل عباس، في ذاكرته، حديث جدته عن قصة ولادته وطلبها من امه الذهاب به الى (الطوب)، مدفع الانكليز، ويتساءل متى ستأتي حكومة تقّدر التاريخ والتراث والآثار العراقية وتحافظ عليها.
ويقول عباس، في حديث الى (المدى برس)، إن "الاستياء أصاب جميع أبناء المحافظة، بعد دخول القوات الاميركية الى الديوانية في نيسان 2003، وسماحها الى بعض من سولت له نفسه نهب خيرات بلده، من (الموقع)، مقر قيادة الفرقة الاولى، لتستولي على المدفعين التاريخيين ونصب الجندي المجهول وتنقلهم الى مقر قيادتها، ليضيع عنا ما حل بها".
ويتابع المواطن أن "جدتي كانت تقص لي ولأخوتي قصة ولادة كل منا، وجميعنا قد زار المدفع في حضن أمنا قبل أن نبلغ الاربعين يوماً من العمر، لمعتقد بالفطرة أن من يمر يعمد بالمدفع سيكون شجاعاً في الكبر وصاحب حظ وسطوة بين أقرانه".
ويضيف عباس أن "كنا نركض في طفولتنا قبل المغرب أيام شهر رمضان، لنجتمع حول المدفع الذي ينقل خلال الشهر الفضيل الى ضفة نهر الديوانية، في باحة مبنى المحافظة القديمة المقابلة للمكتبة المركزية، ننتظر وصول أحد الجنود ليحشوه بالخرق والبارود، ويطلق كقذيفة ايذاناً بحلول موعد الافطار، وكنا نتسابق للحصول على الخرق المحترقة المشبعة برائحة البارود".
ويعرب المواطن عن "الأمل بولادة حكومة تحرص على مقتنيات العراق واثاره وتراثه، وتعيد لنا ما نهب في مر التاريخ ليعرض في معارض اجنبية، وندفع لذلك من اموالنا، بدلاً عن تنشيط قطاع السياحة وجباية الأموال من السائحين، ليكون مورداً مضافاً الى النفط يسهم في تنمية الاقتصاد العراقي".
فيما حفظ مدير الذاكرة الموسوعية في الديوانية، غالب الكعبي في مخيلته الكثير من المشاهد والمواقف والذكريات، عن قصة المدفع وكيف وصل واين انتقل وكيف اختفى وما عاناه خلال أربع سنوات من المراجعات ليحصل على موافقة استعادته مع نصب الجندي المجهول، وخسارة المحافظة للمدفع الثاني الذي أتلف في مقر القاعدة الاميركية.
ويقول الكعبي، في حديث الى (المدى برس)، إن "ثوار العشرين استخدموه كسلاح في حربهم ضد الانكليز"، وسيطروا في معركة أبو صخير (تبعد 50 كم غربي مدينة الديوانية)، على المدفع، واغرقوا باستخدامه سفينة (باير بلاي)، وخاض أغلب المعارك مع الانكليز في منطقة الفرات الأوسط، حتى أعلن البريطانيون هزيمتهم ورغبتهم في الخروج من العراق بعد تكبيدهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات".
ويضيف مدير الذاكرة الموسوعية أن "المدفع عيار 120 ملم، يعد أول وأقدم مدفع في العراق، وقد سلمه الثوار الى قيادة الفرقة الأولى، بعد إعلان تأسيسها سنة 1936، وفي عام 1959، زين المدفع مع مدفع آخر سيطر عليه ثوار العشرين في معركة المشخاب، يتوسطهما نصب الجندي في بوابة الفرقة الأولى".
ويتابع الكعبي أن "المدفعين ونصب الجندي المجهول فقدوا مع دخول القوات الاميركية سنة 2003، وسيطرتها على مقر الفرقة الأولى، ومن حينه بدأت رحلة البحث عنها، وعثرنا عليها في مقر قاعدة "ايكو"، الاميركية في الديوانية، لكن بتفكيك أحد المدفعين واتلافه، وبدأت بالسعي لأخذ الموافقات من جهات عدة لاسترجاع المدفع والنصب ثانية الى الديوانية".
ويلفت الى أن "المركز أعد في حديقته مكاناً لوضع المدفع مؤقتاً، حتى يتم اعداد قواعد خاصة له وللجندي المجهول ليشمخا ثانية في سماء الديوانية، كمعلمين مهمين يمثلان حقبة تاريخية مهمة توثق بطولات العراقيين".
وكان اشعال نار ثورة العشرين بسببه، دعوة الحاكم السياسي لسرايا الرميثة الملازم (هيات)، في (الثلاثين من حزيران 1920)، لرئيس قبيلة الظوالم (الشيخ شعلان ابو الجون)، واعتقاله في السرايا لشراسة رده على الحاكم، فطلب من أحد مرافقيه إبلاغ ابن عمه الشيخ (غثيث الحرجان)، بحاجته إلى عشر ليرات عثمانية، قبل نقله الى الديوانية بالقطار، فذهب المبعوث وأبلغ (الحرجان)، برسالة (ابو الجون)، التي فهمها بأنه بحاجة الى عشرة رجال أشداء لتحريره، وفعل ما وجه به، وهاجم السرايا وقتل اثنين من الحرس وحرر (ابو الجون)، وتحولت الحادثة الى سبب مباشر لاندلاع الثورة العراقية الكبرى سنة 1920.
ومع استمرار المعارك بين العشائر الثائرة والإنكليز، قرر آية الله السيد (محمد تقي الشيرازي)، تبني وساطة لوقف القتال، بإرسال وفد عشائري يترأسه السيد (هبة الدين الشهرستاني، والميرزا محمد الخراساني)، إلى بغداد، للقاء الحاكم السياسي المعين من قبل الإنكليز على العراق (آرنولد ويلسون)، لكنه جوبه برفض الحاكم ويلسون، لتستمر المعارك بين الثوار والانكليز، الامر الذي اضطر (الشيرازي)، الى أصدر فتواه الشهيرة عام 1920، بالجهاد ضد البريطانيين، وتجمع اكثر رؤساء العشائر والقبائل والقادة السياسيين التي تكبد الأخير فيها خسائر فادحة بالأرواح والمعدات.
وكانت القاهرة طالبت في 1920، على أثر ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، وضد سياسة تهنيد العراق عقد مؤتمر دولي، أصدر على أثره المندوب السامي البريطاني (بيرسي كوكس)، أوامره بتشكيل حكومة وطنية عراقية انتقالية، برئاسة نقيب أشراف بغداد (عبد الرحمن النقيب الكيلاني)، وتشكيل المجلس التأسيسي الذي تولى من ضمن العديد من المهام انتخاب ملك على عرش العراق، وتشكيل الوزارات والمؤسسات والدوائر العراقية، واختيار ساسة عراقيين لتولي المهام الحكومية.
وأسرعت الحكومة البريطانية إلى تشكيل أول حكومة وطنية مؤقتة برئاسة (عبد الرحمن الكيلاني)، النقيب نقيب أشراف بغداد، ووُضِع مستشار انكليزي بجانب كل وزير، وأعلنت بريطانيا عن رغبتها في إقامة مملكة عراقية رشحت لها الأمير (فيصل بن الشريف حسين)، ملكاً على العراق في (23 أب 1921)، بعد إجراء استفتاء شعبي كانت نتيجته 96% تأييداً لفيصل، الذي اجبرته بريطانيا على توقيع معاهدة معها في (العاشر من أكتوبر 1922)، تضمنت بعض أسس الانتداب البريطاني.